عندما يكون شيطانك في موضع سلطة، لا تحاول أن تفكر بطريقة واعية، كل ما عليك فعله هو الامتثال والطاعة” – روديارد
في ثقافة مهووسة بتقييم وقياس الموهبة والقدرة، غالبا ما نتجاهل الدور الهام للإلهام. يوقظنا الإلهام بإمكانيات جديدة من خلال السماح لنا بتجاوز تجاربنا وحدودنا العادية. الإلهام يدفع الشخص من الخمول إلى الاستطاعة، ويغير الطريقة التي ندرك بها قدراتنا الخاصة. قد يتم تجاهل الإلهام في بعض الأحيان بسبب طبيعته المراوغة. تاريخه في تعاملنا معه على أنه خارقة أو إله لم يساعد الموقف الراهن. ولكن كما تظهر الأبحاث الحديثة، من الممكن تنشيط الإلهام، والتقاطه، والتلاعب به، ليكون له تأثير كبير على مخرجات الحياة الهامة.
الإلهام له ثلاث صفات رئيسية. لاحظ علماء النفس تود إم ثراش و أندرو جيه إليوت هذه الجوانب الجوهرية للإلهام: استعادة الذكريات، التجاوز والتحفيز. أولا، يتم استفزاز الإلهام تلقائيا دون قصد. الإلهام هو أيضا تجاوزنا لهمومنا وقيودنا الحيوانية والخدمية. غالبا ما ينطوي مثل هذا التجاوز على لحظة من الوضوح والوعي بالإمكانيات الجديدة. كما يلاحظان ثراش وإليوت، ” أن أعلى دافع بشري ينبع من الجمال والخير الذي يسبقنا ويوقظ أفضل مافي قدراتنا.” غالبا ماتكون لحظة الوضوح هذه حية، ويمكن أن تأخذ شكل رؤية عظيمة، أو رؤية لشيء لم يره أحد من قبل (ولكن لربما كان هناك بشكل دائم). أخيرا، الإلهام يتضمن تحفيز النهج، حيث يسعى الفرد جاهدا لنقل فكرة أو رؤية جديدة أو التعبير عنها أو تحقيقها. وفقا لثراش وإليوت فإن الإلهام ينطوي على الإلهام من شيء ما والعمل على هذا الإلهام.
يتشارك الملهمون صفات معينة. ثراش وإليوت طورا “مقياس الإلهام”، الذي يقيس التواتر الذي يواجه فيه الشخص الإلهام في حياته اليومية. ووجدوا أن الأشخاص الملهمين أكثر انفتاحا على التجارب الجديدة، وأشاروا بأنهم أكثر انهماكا في مهامهم. غالبا ما يأتي “الانفتاح على التجربة” قبل الإلهام، مما يشير إلى أن من هم أكثر انفتاحا على الإلهام هم أكثر عرضة للتجربة. بالإضافة إلى ذلك، الأفراد الملهمون ليسوا أكثر وعيا، مما يثبت القول بأن الإلهام هو شيء يحدث لك بغير إرادتك. أفاد أشخاص ملهمون بأن لديهم دافعا أقوى لإتقان عملهم، ولكنهم أقل قدرة على المنافسة، وهو أمر منطقي إذا كنت نعتقد أن المنافسة رغبة ثانوية لا تقيس التفوق على المتنافسين. الأشخاص الملهمون أكثر تحفيزا جوهريا وأقل تحفيزا خارجيا، وهي متغيرات تؤثر أيضا بقوة على آداء العمل. الإلهام أقل ارتباطا بالمتغيرات التي تنطوي على وكالة أو تعزيز للموارد، مما يدل مرة أخرى على الطبيعة المتعالية للإلهام. لذلك، فإن ما يجعل الشيء ملهما هو قيمته الجوهرية المتصورة، وليس مقدار قيمته الموضوعية أو مدى إمكانية تحقيقه. تحدث أيضا الأشخاص الملهمون عن مستويات أعلى من الموارد النفسية المهمة، بما في ذلك الإيمان بقدراتهم واحترامهم لذاتهم والتفاؤل. اتقان العمل والمقدرة على الاستيعاب، والإبداع والكفاءة الإدراكية، واحترام الذات والتفاؤل كانت كلها نتائج للإلهام، مما يوحي بأن الإلهام يغذي هذه الموارد النفسية المهمة. ومن المثير للاهتمام، أن اتقان العمل يأتي أيضا قبل الإلهام، مما يشير إلى أن الإلهام ليس كسولا بالضرورة، ولكنه يفضل تلك العقول المتأهبة في كل زمان ومكان.
الإلهام لا يشبه التأثير الإيجابي. مقارنة بالتجارب الطبيعية في الحياة اليومية، يتضمن الإلهام مستويات مرتفعة من التأثير الإيجابي ومشاركة المهام، ومستويات أقل من التأثير السلبي. ولكن الإلهام كحالة لا يشبه التأثير الإيجابي. مقارنة بكونهما في حالة حماسية، فإن الأشخاص الذين يدخلون في حالة ملهمة (من خلال التفكير في لحظة ملهمة سابقة لهم) أشاروا إلى مستويات أعلى من الروحانية والشعور بالمعنى، ومستويات أقل من السيطرة الإرادية، والتحكم، والمسؤولية الذاتية لإلهامهم. في حين ينشط التأثير الإيجابي عندما يصنع شخص ما تقدما نحو أهدافه المباشرة والواعية، فإن الإلهام أكثر ارتباطا باليقظة نحو شيء جديد، أفضل أو أكثر أهمية، بعبارة أخرى: تجاوز لمخاوف شخصية سابقة.
الإلهام هو نقطة الانطلاق للإبداع. ينظر الأشخاص الملهمون إلى أنفسهم على أنهم أكثر إبداعًا ويظهرون ارتفاعات حقيقية في التقييمات الذاتية للإبداع بمرور الوقت. أشار المخترعون الحاصلون على براءات الاختراع بأنهم ملهمون بشكل متكرر ومكثف أكثر من غير الحائزين على براءات اختراع، وكلما زاد تواتر الإلهام، زاد عدد براءات الاختراع. إن كونك في حالة من الإلهام يتنبأ أيضًا بالإبداع في عينات الكتابة عبر الكتابة العلمية والشعر والخيال (وفقًا لحكم لجنة من الطلاب) بشكل مستقل عن درجات الاختبار اللفظي (سات)، والانفتاح على التجربة، والتأثير الإيجابي، وسلوكيات محددة (على سبيل المثال، حذف جمل سابقة)، وجوانب جودة المنتج (على سبيل المثال، الجدارة الفنية). الكتاب الملهمون أكثر كفاءة وإنتاجية، ويقضون وقتًا أقل في التوقف ووقتًا أطول في الكتابة. تتوافق الصلة بين الإلهام والإبداع مع الجانب المتجاوز للإلهام، لأن الإبداع يتضمن رؤية الفرصة بالرغم من القيود القائمة. الأهم من ذلك أن الإلهام والجهد يتنبأان بجوانب مختلفة من النشاط. يقضي الأفراد الذين بذلوا المزيد من الجهد في الكتابة وقتًا أطول في التوقف مؤقتًا، ويحذفون المزيد من الكلمات، ويكتبون المزيد من الجمل لكل فقرة، ولديهم مزايا تقنية أفضل وقدرة على استخدام القافية في القصائد، لكن عملهم لا يعتبر أكثر إبداعًا!
الإلهام يسهل التقدم نحو الأهداف. في دراسة حديثة أجرتها ماريا ميليافسكايا وزملاؤها، طُلب من طلاب الكلية الإبلاغ عن ثلاثة أهداف كانوا ينوون تحقيقيها طوال الفصل الدراسي. ثم أبلغوا عن تقدمهم ثلاث مرات في الشهر. أظهر أولئك الذين سجلوا درجات أعلى في مقياس الإلهام تقدما متزايدا في الهدف، وكان تقدمهم نتيجة لوضعهم أهدافا أكثر إلهاما. لذلك، يميل الأشخاص الذين كانوا عموما أكثر إلهاما في حياتهم اليومية، إلى وضع أهداف ملهمة، وكان من المرجح أن يتم تحقيقها بنجاح. والأهم من ذلك، كانت العلاقة بين الإلهام وتقدم الهدف عكسية: تقدم الهدف ينبئ بمستوى إلهام الهدف. كما يلاحظ الباحثون، “يشير هذا الأمر إلى أن تقدم الهدف وإلهام الهدف يعتمدان على بعضهما البعض لتشكيل دورة من إلهام الهدف الأعظم وسعي أكبر لتحقيق ذلك الهدف”. وأخيرا، أفاد الأفراد الملهمون بأنهم يشعرون بمعنى أكبر للحياة وكثير من الامتنان.
الإلهام يزيد من الرفاهية. في دراسة أخرى، شهد أولئك الذين تعرضوا لعظمة مايكل جوردان مستويات أعلى من التأثير الإيجابي، وقد تم تفسير هذه الزيادة في التأثير الإيجابي بشكل كامل من خلال درجاتهم في مقياس الإلهام. لم يكن هذا الإلهام مؤقتا أو سريع الزوال، على الرغم من ذلك، تم التنبؤ بحياة إيجابية (على سبيل المثال، السعادة، والرضا عن الحياة) وذلك بعد ثلاثة أشهر! كان الإلهام أكثر ارتباطًا بالمستقبل أكثر بكثير من الشعور بالرضا عن الحاضر. تم تفسير مدى استمرار الإلهام بعلاقته الوطيدة بالغرض من الحياة ومدى الشعور بالامتنان!
تُظهر هذه النتائج أن الإلهام مهم للغاية، مما قد يتسبب في شعور شخص ما بالضغط من أجل أن يصبح مصدر إلهام ثم يعجز عن القيام بذلك مع مراعاة الطبيعة العفوية للإلهام. تعبر الكاتبة إليزابيث جيلبرت عن حقيقة هذا القلق في حديثها الملهم في TED TALK. أتفق مع جيلبرت على أنه لا ينبغي للمرء أن يضغط على نفسه ليصبح مصدر إلهام. تشير هذه النتائج العلمية الرئيسية إلى أن الإلهام ليس مطلوبًا – إنه يحدث. هذه الدراسات من شأنها أن تحررك من هذا الضغط ليحدث الإلهام بطبيعته الفريدة دون أن تشعر.
هذا لا يعني أن الإلهام خارج عن إرادتك تمامًا. على عكس وجهة نظر الإلهام على أنه أمر أسطوري أو إلهي بحت، أعتقد أنه من الأفضل التفكير في الإلهام على أنه تفاعل مدهش بين معرفتك الحالية والمعلومات التي تتلقاها من العالم. هناك أشياء يمكنك القيام بها لزيادة احتمالية حدوث الإلهام. يظهر البحث بوضوح تام أن الاستعداد الكامل (“إتقان العمل”) هو عنصر رئيسي. في حين أن الإلهام ليس مثل الجهد، إلا أن الجهد هو شرط أساسي للإلهام، حيث يقوم بإعداد العقل لتجربة ملهمة. الانفتاح على التجربة والتأثير الإيجابي مهمان أيضًا، لأن امتلاك عقل منفتح والقيام بسلوكيات منهجية سيزيد من احتمالية أن تكون على دراية بالإلهام بمجرد وصوله. الإنجازات الصغيرة مهمة أيضًا، لأنها يمكن أن تعزز الإلهام، وتفجر الإنتاج الإبداعي.
عامل آخر مهم بشكل لا يصدق، وغالبًا ما يتم تجاهله للإلهام هو الاحتكاك بالمدراء الملهمين، القدوة، والأبطال. كما لاحظ غريغوري ديس وجوزيف بيكن في “تغيير الأدوار: القيادة في القرن الحادي والعشرين”، إن اقتصادنا العالمي التنافسي يتطلب من القادة تحويل تركيزهم من الإدارة الفعالة إلى الاستخدام الفعال لتنوع موارد الشركة. يجادلون في خمسة أدوار رئيسية للقيادة:
- استخدام الرؤية الاستراتيجية للتحفيز والإلهام
- تمكين الموظفين على جميع المستويات
- تجميع وتبادل المعرفة الداخلية
- جمع ودمج المعلومات الخارجية
- تحدي الوضع الراهن وتمكين الإبداع
ستيف جوبز هو مثال جوهري لمدير ملهم، ولا شك أنه اختبر كل هذه الأدوار في حياته. لكي تصبح مصدر إلهام شخصي، فإن أفضل ما يمكنك فعله هو إعداد الظروف المثلى للإلهام. كمجتمع، فإن أفضل ما يمكننا القيام به هو المساعدة في تهيئة هذه الظروف الهامة للجميع. تتمثل الخطوة الأولى ببساطة في التعرف على قوة الإلهام الهائلة وتأثيرها المحتمل على كل ما نقوم به.
مقالة مترجمة عن هارفارد بزنس ريفيوز..
رابط المقالة باللغة الانجليزية: Why inspiration matters
