
الواحد والثلاثون من شهر يناير، هو يوم ميلادي!
هو اليوم الذي خرج فيه لحني الأول للحياة..
لا أذكر شيئا على وجه التحديد، ولكنني أستذكر صورةً غامرة، لونها أزرق ليلكي نقي، يشع منها فجر وليد و تحيطها هالة من الهدوء والحماسة في نفس الوقت.. لها أفق بعيد، وعمقٌ يتسع لكل شيء!
ميلاد كأنه الأرض بخيراتها الوفيرة، وكأنه السماء الشاسعة بالأحلام والطموحات اللانهائية..
لا أذكر شيئا على وجه التحديد، ولكن رابطا قويا يصل بذلك اليوم ويخبرني بأنه كان يوما ذو رسالة، وبأن رسالتي في هذه الدنيا بدأت منذ ذلك اليوم، وحتى هذه اللحظة لتستمر إلى ما بعد رحيلي..
رسالة تكتبها الأيام بالتجربة المعاشة، وبحرية الفكر والشعور، بالمساحة الرحبة التي يمدني فيها الكون من حولي، بالخير الذي ألمسه في أعماقي، وأراه في القلوب البسيطة الممتنة في كل حين، وعلى هذه الأرض المشبعة بالبركة والحب والسلام.
كان مجيئي إلى هذه الدنيا في آخر يوم من أول شهر من السنة.. لا أظنها مصادفة عادية!
تأملت في هذا الترتيب الرباني واتخذت منه منهجاً لحياتي.. ورأيت بأن البدايات تحمل شعلة الحماسة، والنهايات معتقة بالحكمة التي لم تولد إلا بأصالة التجربة.. وما بين البداية والنهاية أرجوحة زمنية تصل مابين ليلٍ ونهار ومابين نور وظلمة وما بين شمس وظلال..
وكانت الخلاصة بأن العمر الجديد لا يكتمل إلا بالتجربة..
وبأن الفرصة لن تصبح واقعا إلا بعد انتهازها..
وبأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالسعي..
وبأن الرواية من أجل أن تكتب يجب أن تعاش بكل تفاصيلها ولكل رواية فصل أخير وورقة نهاية…
وبأن الوصول إلى القمة لن يحدث إلا بعد المرور بكثير من العثرات والانكسارات..
وبأن الحياة مجموعة من نوافذ تغلق وتفتح واحدة تلو الأخرى.. قد تبدو متشابهة كما تبدو غالبية الأيام بيد أن مراياها تعكس صورًا مختلفة تحمل الكثير من المشاعر والأفكار والذكريات..
ثم آمنتُ أكثر من أي يومٍ مضى بأن العمر، مهما امتد، يظل قصيرًا بطبيعته، وأن الحياة بكل ما فيها من حلو ومرّ تمر كما لمح البصر. ولكنها تصبح أعمق وأجمل وأكثر امتلاءً حين نصغي لإيقاعاتها لحظةً بلحظة، فنكتشف أن القلب هو جوهر الحكاية، وأن الاتصال باللحظة هو سرّ الحياة الحقيقي.
أما الوقت فماهو إلا مادة مطاطة، قد تُثقل دواخلنا وتُربك وعينا، وتُبعدنا عن حقيقتنا الإنسانية، وتقيّد أرواحنا بسلاسل غير مرئية، فتمنعها من التحليق وتحول بينها وبين الشعور بالحرية.. والإبحار في رحابة الحياة!
اليوم أقول شكرًا كثيرا لأربعين عاما مضت، شكرًا لكل التحديات التي صنعت مني ما أنا عليه اليوم، شكرا لكل الخسائر التي دون أن تقع لما رأيت الفرص في الجانب الآخر، تلك الفرص التي جاءت دومًا في أفضل الأوقات وأحلك الظروف لتمنحني قوة وإيمانا بأن ما يذهب خير، وما عند الله خيرٌ وأبقى.
شكرًا لكل من عبرَ في حياتي، صديقا كان أو عدوًا؛ فكلاهما تركا أثرًا فريدا وجعلا مني بطلا لقصتي.
شكرًا للأزمات، شكرًا للنجاحات، شكرًا للمسافات التي رأيتها طويلة جدا، ووجدتها اليوم ليست إلا جزءا من رحلة يبتعد جدًا رؤية أفقها، رحلة علمتني بأن النهاية غير مرئية، وبأن اليوم هو الفاصل في كل الحكاية، ويوما بعد يوم تشكلت هذه القصة ومازالت فصولها تكتب لحظة بلحظة ..
شكرًا لكل ما مضى وأهلًا بما هو قادم. 🎂
31-1-2026